المقريزي

105

رسائل المقريزي

ويقابل هؤلاء القسم الثاني : المعرضون عن عبادته والاستعانة به فلا عبادة لهم ولا استعانة ، بل إن سأله تعالى أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته ، واللّه سبحانه وتعالى يسأله من في السماوات والأرض ، ويسأله أولياؤه وأعداؤه ، فيمد هؤلاء وهؤلاء . وأبغض خلق اللّه إبليس ، ومع هذا أجاب سؤاله وقضى حاجته « 1 » ومتّعه بها ، ولكن لما لم تكن عونا على مرضاته كانت زيادة في شقوته وبعده . وهكذا كل من سأله تعالى استعان به على ما لم يكن عونا له على طاعته كان سؤاله مبعدا له عن اللّه . فليتدبر العاقل هذا ، وليعلم أن إجابة اللّه لسؤال بعض السائلين ليست لكرامته عليه ، بل قد يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه ويكون منعه منها حماية له وصيانة ، والمعصوم من عصمه اللّه ، والإنسان على نفسه بصيرة . وعلامة هذا أنك ترى من صانه اللّه من ذلك وهو يجهل حقيقة الأمر إذا رآه سبحانه وتعالى يقضى حوائج غيره يسيء ظنه به تعالى وقلبه محشو بذلك وهو لا يشعر . وأمارة ذلك حمله على الأقدار وعتابه في الباطن لها ، ولقد كشف اللّه تعالى هذا المعنى غاية الكشف في قوله تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ . كَلَّا « 2 » أي ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته فقد أكرمته ، وما ذاك لكرامته عليه ، ولكنه ابتلاء منى وامتحان له أيشكرنى فأعطيه فوق ذلك أم يكفرنى فأسلبه إياه وأحوله عنه لغيره ، وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذاك من هوانه علىّ ولكنه ابتلاء وامتحان منى أيصبر فأعطيه أضعاف ما فاته أم يسخط فيكون حظه السخط ، وبالجملة فأخبر تعالى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره ، فإنه سبحانه وتعالى يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتر على المؤمن لا لهوانه عليه ، وإنما يكرم سبحانه وتعالى من يكرم من عباده بأن يوفقه لمعرفته ومحبته وعبادته واستعانته . فغاية سعادة الأبد في عبادة اللّه والاستعانة به . القسم الثالث : من له من نوع عبادة بلا استعانة وهؤلاء نوعان : أحدهما : أهل القدر القائلون بأنه سبحانه وتعالى قد فعل بالعبد جميع مقدوره

--> ( 1 ) وذلك في قوله قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فقال اللّه تعالى مجيبا له : قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ : الأعراف : 14 ، 15 . ( 2 ) الفجر : 15 - 17 .